إشكالية التراث والمقدس

التراث من الورث أو الميراث وهو أن يكون الشيء لقوم ثم يصير لآخرين بسبب أو نسب ومن ثم يكون المقصود بالتراث هو : نتاج المجهودات والتراكمات الإنسانية الواعية, سواء أكانت مادية أو فكرية قام بها السابقون وتركوها لمن أتوا بعدهم. لذلك يخضع للزمان ويتغير بتغير الأمكنة.
أما المقدس من القدس وهو الطهر والقدوس من أسماء الله تعالى ويعنى : المنزه عن الأضداد والأنداد ومن ثم يقال عن النص القرآنى أنه مقدس لأنه صادر من القدوس فالمقدس هو : الشيء الطاهر المنزه الذي لا يُمس ولا تطوله يد التحريف ويعلو على الزمان والمكان.
وبناء على ذلك، فلا يمكن أن يكون التراث مقدساً، إذ هو من صنع البشر ويخضع ويؤثر فيه الزمان والمكان، كذلك لا يمكن للمقدس أن يسمى أو يكون تراثاً لأنه لا يخضع للزمان ولا للمكان، ولذلك يظل القرآن صالحا لكل زمان ومكان.. لماذا ؟
لأنه مقدس يعلو على الزمان والمكان لكن يبقى تفسير القرآن وتأويله وفقهه أو الفقه بصفة عامة تراثا أي غير مقدس، لذلك يؤثر فيه الزمان والمكان وأي محاولة لجعل المقدس تراثا مثل القول بتاريخية النص القرآني أى خضوعه وارتباطه بالمكان والزمان، ومن ثم يفقد النص قدسيته هو جريمة لا تقل في جرمها بأي حال من الأحوال عن جريمة تحويل التراث لشيء مقدس مطلق عن الزمان والمكان، ولا يمكن تغييره أو تبديله وهو صالح لكل زمان ومكان، كلاهما تحريف للدين وتضييع له وافتراء على الله.
والاستبداد الديني مثل الاستبداد السياسي يعمل على محاولة إيقاف الزمن أو إبطائه ومقاومة جريانه على الأقل بدعوى الحفاظ على الاستقرار في المجال السياسي بغرض التجميد والتمجيد، وعدم التجديد ويجعل ذلك كله بيد فئة أو مجموعة أو شخص بعينه، وكذلك الاستبداد الديني إيقاف الزمن عند عصور بعينها بغرض تجميد الفكر، وإيقافه عند عصر معين يفهمه أشخاص معينون، ومن خلال القهر والتخويف والترهيب، وتكرار مفاهيم معينة يغلق العقل المسلم، ويتوقف عن العمل والتفكير ومحاولة النقد البناء والتجديد الضروري.
ومن أمثلة هذه المفاهيم التي تمثل أثراً خطيراً على العقل المسلم من خلال تكرارها اقتران كتاب صيحيح البخاري رحمه الله بكتاب الله فيقال “البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله “، فيسرق صحيح البخاري من قداسة القرآن، وينزلها ويضفيها عليه، فيصبح البخاري أيضاً مقدساً، وحتما ينكرون هذا القول ويقولون لا نقول بذلك أبدا، فكتاب الله فقط هو المقدس، وبما أن المقدس هو الذي لا يمس، فإذا حاولت أن تمس البخاري قالوا لا إنه أصح كتاب بعد كتاب الله، البخاري لا يمكن أن يخطئ، أجمعت الأمة على ذلك، وإن كنا لا ننكر أن أي بشر يخطئ، وأن البخارى كبشر يجوز فى حقه الخطأ، ولكن ثبت أنه لم يخطئ، واجمعت على ذلك الأمة فى حركة دائرية لا تصل فيها سوى لنتيجة واحدة أننا أهل السنة قدسنا البخارى قولاً واحداً.
وهنا يسأل السائل: “يعنى لازم البخاري يكون غلطان حتى لا يكون مقدساً؟، يعنى نطلع فيه غلط وهو مفهوش؟”
أقول المسألة ليست مسألة خطأ البخاري أو لا فالبخاري رحمه الله إمام وشخصية علمية فذة قدوة إمام وولي من أولياء الله، نفعنا الله ببركاته، ولكن الله يقول : ” اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون” مهما كان هذا الولى .
لذا فنحن نؤكد أننا نريد منهجه ولا نقف عند مسائله ولا كتابه بمعنى البخاري كان فذا حينما فكر في قواعد لضبط صحة الحديث، كان هو أول من فكر فيها أو بمعنى أدق أول من صاغها في منهج مترابط، وطبقه إذ سبقه من يقول ببعض شروطه التي اشترطها لصحة الحديث ولكنه تفرد في قدرته على صوغ منهج واجتهاد مَنْ قَبْله مع اجتهاده هو وإخراج منهج نافع للأمة فمكث ستة عشرة عاماً استطاع بعدها أن يستخرج من ستمائة ألف حديث ما يقارب ثلاثة آلاف حديث فقط، هذا الذي ينبغي لأهل العلم، ولكل صاحب رأي وفكر أن يحذو حذوه، فخذ من البخارى قدرته على إلإبداع، وقدرته على صوغ منهج، وقدرته على النقد، وقدرته على الفرز، وصبره على العلم، تحمله لدفع الثمن، بدلاً من حصر المعركة حول مسائله، فمسائله يمكن النقاش حولها.
هذا هو منهج الإمام ذاته رفض الخضوع للتقليد رفض التسليم بالسائد بذل الجهد لمعرفة الصحيح، لكن سدنة العصر يرفضون حتى مناقشة مسائله فضلاً عن الاقتراب مجرد الاقتراب لذا ماتت قرائحهم وتوقفت ماكينة إنتاجيتهم وفضلوا العيش على الاجترار عكس سيرة السلف السابقين ومسيرتهم فاصبحنا في محيط آسن وتفرقت بنا السبل وتاهت بنا الدروب وقُتل الإبداع وأصبحت أمتنا عليلة مريضة تبكي وتشتكي فهل يسمع العلماء الشكوى؟ فيكفوا عن الانشغال بالمنع والحظر والمطاردة والمطالبة بمنع الظهور بعمل جاد يخرجنا مما نحن فيه من متاهات السبل “فما عادت خيولنا تسير فسبقتنا عُرج الحمير”، لذا حُق أن نكون متأخرين فقد نُقل عن الإمام الطحاوي رحمه الله أنه قال : لا يقلد إلا عصبي أو غبي. وقد أكد الائمة كلهم على هذه المعانى فنرى أبا حنيفة يقول : لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. ويقول ايضاً :حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا. وقد طبق الإمام أبوحنيفة ذلك فكانت مدرسته الفقهية هى مدرسة الرأى والمشورة لذا فهو المذهب الوحيد الذى لم ينفرد فيه إمامه برأي واحد ففي المذهب المالكي مثلاً يُقال غالباً قال مالك أم في المذهب الحنفي فيقال: قال أبو حنيفة كذا وقال أبو يوسف كذا وقال زفر، وقال محمد من أصحاب أبى حنيفة فهو مذهب الاجتهاد الجماعى والإمام أحمد بن حنبل يؤكد نفس المعانى فيقول : لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا .

هذه هى القضية أن القدامى والسلف حينما أدركوا هذه المعاني جددوا لزمانهم وتركوا ثروة علمية هائلة فعكفنا نحن في هذه الأزمنة على مسائلهم نقدسها ولا نبرحها وتركنا مناهجهم فتخلفنا وصرنا أمة مستهلكة نقتات على إنتاج غيرنا حتى على المستوى العلمي ومن ثم صح أن يقال عن هذا الواقع والعصور المعاشة بحق أنها عصور انحطاط الفكر الإسلامي وتخلفه فإن كان السلف نجحوا فما نجاحهم إلا لأنهم اجتهدوا بدءاً من المناهج وانتهاءً بالمسائل ولا سبيل لتقدمنا غير ذلك.
 أحمد الشوربجي
 aman-dostor.org/2006
News Reporter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *