كيف ضاعت القدس ؟؟

مقدمةالقدس

 القدسُ قرةُ عيونِ المشتاقين و مهبطُ قلوبِ العاشقين, لا تُذكرُ إلا ويسيلُ دمعُ المحبين توقاً وألماً, فيها المسجدُ الأقصَى الذي لو أُذِنَ له أن يتكلّم لما زاد عن قول “الحمد لله” من كثرة الابتلاءاتِ اختباراً وتمحيصاً من الله عز وجل لقبلةِ المسلمين الأولى وما حوله من المدينة المباركة, مدينة القدس وأكناف مدينة القدس, كلٌّ في موقعه في جهاد ورباط إلى يوم الدين, حتى يأتي وعد الله .

القدس .. عروس الشام

  منذ تاريخ البشرية الأولى ومدينةُ القدس تَتَعرَّضُ لمحاولاتٍ عديدةٍ للسيطرة عليها تارةً تحت أسباب دينية أو تاريخية, وأخرى إقتصادية أو تجارية, وفي كل الأحيان يمرَّ العابرون على جلدها, فتطوِيهم صفحةُ التاريخ, فلا يبقى مما تركوا إلا آثاراً وأطلالاً.

  أشرق نورُ القدسِ بعد أن فتحها الخليفة عمر بن الخطاب, وازدهرت هي ومسجدها الأقصى عبر قرون الحكم الإسلامي, وتميزت عن أخواتها من مدن العالم بالتعددية الدينية, والمحبة والألفة بين جميع سكانها, ولا تنفكُ تعيدُ بناء نفسها مرةً بعد مرةٍ إذا حلَّ بها دمارٌ أو احتلال.

  في القرن العشرين تعرضت مدينة القدس لحوادثَ جمةٍ غَيرت معالمَها وسلبتها بهجتَها, وسُرقت تلك الجميلةُ التي طالما تغنى الشعراءُ والأدباءُ بحسنها حتى وصفوها بـ “عروس الشام” وتمنوا الظفرَ بترابها ..

القصة قبل عام 1948م

  بدأت قصة المعاناة منذ سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1917م , فقدت القدسُ الداعمَ السياسيَّ لها, واستولت عليها حفنة من الطامعين -تحت مسمى الانتداب- تقاسموا الدولَ العربيةَ بينهم كأن لهم حقاً في وراثَتِها فرضاً أو تعصيباً .

  كانت أطماع اليهود في أَوجِها, وتمثَّل ذلك في وعدٍ من بريطانيا بإقامة وطنٍ قوميٍّ للأمةِ الضالةِ المشتَّتَةِ في أصقاعِ العالم, بعد سنوات من المعاناة, مكافأةً لهم على صبرهم في المحن ومؤازرتِهم للدول العظمى في الحرب, لم تكتفِ بريطانيا بالوعد بل وطبقت ذلك عملياً, فشجعت زيارة اليهود إلى المدينة المقدسة, وقامت ببناء أحياء سكنية ومستوطنات في غرب وشمال القدس (1) وساعدتهم في شراء الأراضي, وإقامة مدارس وجامعات لهم, كل ذلك تمهيداً وإيذاناً بولادة كيان طالماً حلم اليهود به.

السيطرة على غربي القدس بعد عام 1948م

  انتهى الانتداب البريطاني عن فلسطين عام 1948 واستغلَّت العصابات الصهيونية حالةَ الفراغ الموجودة في تنفيذ مذابحَ ومجازرَ شهد بشناعتها من عايشها ونجا منها, أو من كتب عنها لاحقاُ, شُرد السكانُ الأصليون إلى مخيمات الضفة وغزة والدول المجاورة, ووَضعت الحربُ أوزارها وأُعلن عن قيام (دولة إسرائيل) وتمت السيطرة على غربيِّ القدس , وبقي شرقيُّها -ومن ضمنه المسجد الأقصى- في يد الأردن .

  استغلت إسرائيل هذه الفترة في تغيير معالم المدينة كلياً, وأقامت مدينةً على الطراز الغربي في غرب القدس, وأعلنتها عاصمةً لها, وتم فصلها عن القدس الشرقية التي لم تلق عنايةً كافية للمحافظة على ما تبقى منها إلا بعض الترميمات هنا أو هناك .

  اندلعت حرب 1967 وسيطرت إسرائيل على باقي فلسطين ومن ضمنها القدس الشرقية, إلا المسجد الأقصى وقبة الصخرة بقيا في يد الأوقاف الإسلامية, وبدأت بعدها مرحلة جديدة من مراحل التهويد.

Kotel_1967القدس بعد عام 1967م

   في هذه الفترة حاولت إسرائيل السيطرة على مدينة القدس والمسجد الأقصى تاريخياً وجغرافياً وسكانياً ودينياً .

   على مدار احتلالها للقدس تقوم إسرائيل بعمل دؤوبٍ في الحفريات والتنقيبات عن الآثاراليهوديةِ أملاً في إيجادِ أي رابطٍ تاريخيٍّ يُثبت أحقيتهم بهذه الأرض, وتعتمدُ بشكل أساسي على تزوير حقائق التاريخ, وتزييف الآثار, وابتداع أدلة غير موجودة, وإنكار التاريخ العربي الإسلامي للمدينة .

   ولم تكتف إسرائيل بتغيير التاريخ, بل تجاوز الأمر إلى فرض أمر واقع وسيطرة جغرافية تمثلت في إقامةِ جدار الفصل الذي ضم كلَّ القدس إلى إسرائيل, ابتلاعِ المزيد من أراضي القدس وضمها إلى إسرائيل, السماحِ ببناء مستوطنات في الجزء الشرقي, بناءِ الحدائق والمعالم اليهودية, تهويدِ أسواق القدس, هدمِ المنازل الفسطينية والمحلات التجارية بحجة عدم الترخيص, بل وتجبرالعرب على هدمها بأنفسهم وتفرض غرامات مالية باهظة على المخالفين.

محاولات وسياسات مستمرة

   ويستمر مسلسل التضييق على المواطنين العرب لإجبارهم على الخروج من المدينة من خلال :

– عدم منحهم تراخيص البناء أو أذونات لتوسعة أو ترميم منازلهم,

– تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وحرقها,

– قانون السيطرة على أملاك الغائبين من عقارات وأراضٍ ويطبق فقط على العرب دون اليهود,

– فرض المنهاج الإسرائيلين في المدارس الفلسطينية (2) , عدم السماح بترميم أو بناء المدارس التى تصدعت جدرانها بسبب قدمها والحفريات أسفلها,

– الاعتقالات والمداهمات والمضايقات المستمرة والمتكررة, وسياسة الإبعاد عن المدينة المقدسة,

– التضييق على السكان في التنقل, سحب الهويات المقدسية من الآلاف, وتغيير الهوية من مواطن إلى (مقيم) لفترة 10 سنوات فقط ,

– فرض الضرائب الكبيرة بحيث يدفع المواطن العربي أضعاف الضريبة التي يدفعها اليهودي,

– التمييز العنصري في العمل والإسكان والمشاريع,

– السلوك العدائي للسكان اليهود ضد العرب تحت مرأى ومسمع الجيش الإسرائيلي, الإهانات والاعتداءات اللفظية والبدنية في المراكز والمؤسسات الرسمية,

– الوضع الاقتصادي المنهك حيث قال آخر الإحصائيات إن 78% من العرب تحت خط الفقر (3) , والتضييق على التجار وأصحاب المحلات التجارية بالإنذارات والتهديدات,

– ارتفاع معدل الجريمة وانعدام الأمن, وتفككك النسيج الاجتماعي, وغيرها الكثير من الأساليب والطرق لتفريغ السكان العرب منها وإحلال اليهود بدلاً منهم في خطوة نحو السيادة التامة على المدينة .

tumblr_mtffcl2vYg1r2wr67o1_500المسجد الأقصى

   أما عن السيطرة الدينية فلإسرائيل صولات وجولات في هذا المجال, فهي تمنع المصلين من الضفة الغربية من الصلاة في المسجد الأقصى إلا كبار السن منهم, والكثيرون لا يجدون من أمرهم شيئاً إلا افتراشَ الساحات حول المسجد الأقصى وأمام الحواجز الأمنية لتأدية الصلوات, خاصة صلاة الجمعة, ولكنها في نفس الوقت تفتح أبواب الأقصى بشكل دائم أمام السياح اليهود والمستوطنين لتأدية شعائرهم التلمودية داخل ساحاته, بل وتجاوز الأمر التقسيم الزماني والمكاني للمسد الأقصى, أسوة بالحرم الإبراهيمي, وحديثاً مشروع لبناء كنيس داخل أسوار المسجد الأقصى, كذاك حشد الأموال والطاقات بشكل مستمرٍ لتسريع بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

خاتمة

  إن مدينة القدس تمر بخطر شديد جداً, أكثر من أي وقت مضى, وهي بحاجة لوقفة جدية من العرب والمسلمين جميعاً إنقاذاً لها ولما تبقى منها, حتى لا تكون أندلساً أخرى, ويجب ألا تُترك القدس والمسجد الأقصى وحدهما في مواجه هذه الآلة المدمرة للأرض والتاريخ والإنسان .

ـــــــــــــــــــ

(1) Tamari، Salim (1999). “Jerusalem 1948: The Phantom City” (Reprint). Jerusalem Quarterly File

(2) http://www.iaqsa.com

(3) المصدر السابق

سحر البيان

Post Author: khaled mohie

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *